مغربنا 1 جريدة إلكترونية مغربية

فكر متحرر: دعامة أولى لأية نهضة

إن أية مبادرة وطنية لأية تنمية بشرية، إن على مستوى الفرد، وإن على مستوى الجماعة، لن يتم تحقيقها بعيدا عن التغيير الجذري والواقعي لا المفترض في العقلية المغربية على جميع الأصعدة. بحيث يكون الهدف المتوقع من وراء إنجاز التنمية المطلوبة هو بالتحديد تحقيق “نهضة” طالما تعثرت بفعل عوامل من ضمنها: “الفكر الظلامي السياسي الحزبي”، و”الفكر الظلامي السياسي السلطوي”، و”الفكر الظلامي الديني”. نقصد ثلاثة أشكال من الإرهاب الذي نميز فيه بين المادي والمعنوي، وبين ثلاثة من مصادره التي لا تزال ماثلة أمام الشعب المغربي حتى الآن (نقصد السلطة، والأحزاب، والمبتدعة). دون أن تجدي الأصباغ المستعملة لطلاء الوجوه قصد إخفاء القسمات والملامح

الحقيقية لممارسيه باسم الديمقراطية والتفتح والحداثة والعصرنة والدفاع المزعوم عن مسمى مذهب أهل السنة والجماعة!

وبما أننا في محطة تاريخية جد حرجة، والتي لا ندعي الآن بأنها جديدة كل الجدة، فلا ينبغي أن نغرق، ولا ينبغي أن نغرق معنا شعبنا الصامد، المناضل، الصبور، المتحمل، في التفاؤل المفرط! فقط لأن نجاح أية نهضة، أو أية تنمية بشرية، مرتبط بشرط جوهري، عند فقده، أو عند غيابه، يصبح كل تفاؤل محتمل بصددها في مهب الريح! مع الإشارة الفورية إلى أن هذا الشرط، لم يكن، ولن يكون غير عقلية ناضجة، متفتحة، واعية، متحررة من كل وهم، ومن كل خرافة،، ومن كل إرهاب حزبي وسلطوي وديني، ومن كل مقاربات غوغائية،، ديماغوجية مظلمة!

وقد كان من المفترض أن تتوفر جميع عناصر اللجنة التي أعدت تقريرها التاريخي حول “التنمية البشرية” على نوعين من المعلومات: تتعلق الأولي بكل ما يصح أن يعجل بتحقيقها، تجنبا لواقع الانتظار الممل الطويل على النفوس، مما سوف يؤدي إلى ردود أفعال شعبية غير محسوبة العواقب! وتتعلق الثانية بكل ما يمكن أن يقف حجر عثرة أمام الوصول إلى النتائج المطلوبة.

وبما أن “التنمية البشرية”، أو بما أن “النهضة” عبارة عن حركة مدروسة، معقلنة لضمان التقدم والإبداع المستمرين في شتى المجالات الفكرية، والأدبية، والدينية، والأخلاقية، والتشريعية، والعلمية، والفنية، والصناعية، والسياسية، والمالية، والاقتصادية، والاجتماعية، فكيف نتوقع تحقيقها بعد مرور خمسين سنة على استقلال بلادنا، والحال أن الفكر الظلامي الديني الرجعي الموروث المتخلف، محمي معزز من طرف الحكام والأحزاب والهيئات! ومن طرف جل علمائنا الممثلين في المجالس العلمية، وفي المجلس العلمي الأعلى – للأسف الشديد – كما أنه محمي من طرف الفلول المتبقية من الطرقيين الصوفيين، أو من طرف القيمين على الأضرحة والقباب الذين “يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله”[1] والدولة تدعم، وتقدم العطايا والهبات في المواسم وفي غير المواسم! ثم إنه محمي من طرف المتعاطين للشعوذة وكتابة الأحجبة والتمائم، وقراءة القرآن في مناسبات معروفة لملء البطون والجيوب! ومن طرف جماعات ترى نفسها حامية للدين، غيورة عليه، وداعية إلى الالتزام به في الحياة الخاصة والعامة!

إن استغرابي هذا المتضمن لدلالات ذات أبعاد سياسية وفكرية وثقافية متباينة خطيرة، يكشف لا محالة عن وجود متهم (بكسر الهاء)، وعن وجود متهمين (بفتحها). فالمتهم، أو المدعي، يوجه في العرف القانوني تهمته إلى المتهمين، مما يفرض عليه إبراز تهمته ببراهين دامغة، ومما يفرض على المدعى عليهم نفي ما اتهموا به بما يكفي من الأدلة المقنعة! وإن هم فعلوا بدحضهم لحجج المدعي، بات من حقهم الحكم عليه، أما إذا لم يفعلوا فتلزمهم عندها المشاركة الفعلية للقضاء المبرم على الفكر الظلامي المغربي الديني بكل تجلياته!

فما هي التهمة التي وجهتها صراحة لا ضمنا للأطراف التي حددتها، أو قدمت ورقة تعريفها في عجالة؟

إنها حماية الفكر الظلامي، وتعزيزه، والدعوة إليه، والتغاضي عن متعاطيه أو عن ممارسيه، والمشاركة فيه، ومد أصحابه بالتبرعات والصدقات المزعومة، مع أن هذا الفكر الذي ألتزم هنا بتقديم شروح وافية له وعنه، يعد من أخطر ومن أبشع عوائق الحداثة والعصرنة بمفهومها العميق الشامل. هذه التي ما انفكت الدولة والأحزاب تعزف على وترها، وتصفق وتختال! دون أن تحاول  – رغم امتداحها للعقل – بكل إخلاص وصدق وإلحاح، وبكل قناعة دينية ومنطقية إزالة تلك العوائق من الطريق المؤدي بالفعل إلى تجسيد الحداثة المطلوبة في الحياة اليومية للمواطن المغربي، بحيث إنها عندئذ تعم الحواضر وتعم البوادي! دون التمادي في التغاضي عن “الفكر الظلامي السياسي الحزبي”! وعن “الفكر الظلامي السياسي السلطوي”! وعن “الفكر الظلامي الديني” الذي سنحاول وضع القراء الكرام أمامه وجها لوجه، بحيث يكون بمقدورهم مشاهدته بالنظر، وسماعه بالأذن، ولمسه باليد، وشمه بالأنف من قريب أومن بعيد! إذ أن رائحته كريهة فعلا تزكم الأنوف قبل أن تزكم النفوس والعقول والبصائر!

وقبل ذلك، نضع القراء مباشرة أمام نموذج لفكر ظلامي سياسي سلطوي معاصر حديث العهد بالنشأة! حتى يتمكنوا من التعرف على نظائره في السير اليومي لمختلف الأنشطة التي تقوم بها الدولة في مختلف المجالات. ولنقل على وجه الدقة: إنه استغلال غير بريء للتقدم الحاصل في مجال التنبؤ بالأحوال الجوية؟ إنه صلاة الاستسقاء التي كنت منذ شهور قد تناولتها بمختلف أبعادها في جريدة أسبوعية محدودة الانتشار. دون تمكني – بعد أربع حلقات – من تبليغ محتوى المقال كله للمهتمين بالموضوع الذي عرفت بأنه أصبح يشغل بال الرأي العام الوطني. إلى حد أن الكثيرين أصبحوا ينتظرون تأكيدا قدوم أمطار الخير كلما تمت الدعوة إلى أداء صلاة الاستسقاء!

ثم كان أن تناولت مجلة “نيشان” المغربية الأسبوعية نفس الموضوع بجرأة متناهية على عادتها بتاريخ 24-30- نونمبر 2007م تحت عنوان “آشتا تا تا”. فرأيت هنا القيام باغتنام فرصتين: فرصة تقديم “المقالة النيشانية”! وفرصة تقديم تعليق مناسب عليها كخلاصة للمقال الذي يحمل منذ شهور توقيعي كما قلت منذ حين.

جاء في “نيشان” ص 4 بقلم مديرها أحمد بن شمسي ما يلي: “الجمعة 16 نونمبر 2007: الشمس ساطعة والحال سخون، بحال إلى كنا فوسط الصيف… نسبة التساقطات المطرية تسجل عجزا يناهز ( خمسين في المائة) مقارنة مع السنوات الماضية. والأزمة تهدد القطاع الفلاحي. حينئذ، يعطي أمير المؤمنين تعليماته لكي تقام صلاة الاستسقاء في جل مساجد البلاد “للتضرع إلى الله العلي القدير أن يسقي عباده وينشر رحمته ويبدل قنوط المؤمنين أملا ورجاء”. أربعة أيام بعد ذلك، تتحقق المعجزة وتتهاطل الأمطار بغزارة في كافة ربوع المملكة السعيدة!!!

إيوا نبداو فالشدان ولا بلاش؟ فالحقيقة المغاربة شحال هادي باش عاقوا! وشحال هادي والهضرة كتضور فالقهاوي على هاد صلاة الاستسقاء اللي سبحان الله ديما كتصدق … أو ديما كتجي لاصقة مع التوقعات ديال الأرصاد الجوية! هذا يعني أن الصلاة لا تطلب منا إلا حين تكون السلطة على علم، من مصادر شبه أكيدة بأن الأمطار وشيكة … بالصلاة ولا بلاش!

 

في الواقع، كان عرف صلاة الاستسقاء موجودا قبل نزول الإسلام، عند اليهود، ثم المسيحيين. حتى “ليزانديان” ديال أمريكا كانت عندهم “رقصة المطر” ديالهم. كل ما في الأمر أن الإسلام حافظ على هذه العادة التاريخية والقديمة التي دخلت في التعاليم الدينية الصحيحة. الفكرة التي يحاول الأئمة تمريرها منذ قرون هي أن الجفاف نتيجة حتمية لتراكم ذنوبنا وأن المطر يطهرنا من أخطائنا.

إلى غاية منتصف القرن العشرين كانوا كيديروها غير على الله، يمكن تصدق ويمكن لا. وملي ما كانتش كتصدق، كان التفسير باين: ذنوبنا أكبر وأكثر من أن تمحوها ركعتان. من بعد، اكتشفنا “الميتيو” والتوقعات ولات تقريبا مضبوطة. ولكن، وبما أن الديانة الرسمية للمغرب هي الإسلام، فقد كان على جميع مقدمي النشرات الجوية، ومنذ الاستقلال، أن ينهوا توقعاتهم بعبارة “إن شاء الله”.

وما زال كيديروها، وما فيها عيب. غير وكان التوقعات كاينة وعندها مصداقية. إيوا على هاد القبال واش خاصنا نطيحو من عادة صلاة الاستسقاء ونتشكاو من استبلاد الشعب؟ ماشي بالضرورة  …

حسب الباحث السياسي محمد الطوزي، تشكل صلاة الاستسقاء “وسيلة رمزية للتعبئة، ومناسبة لتقوية الأواصر الاجتماعية”. صورة زوينة، صراحة. ولكن يلا كانو الناس ما بقاوش كيتيقو، آش قضينا؟ من الضروري التذكير بمعطى تاريخي هام: إلى غاية الستينات كانو الأئمة ديال المساجد هوما اللي كيطلبو الناس باش يقيمو صلاة الاستسقاء، سواء صدقات ولا ما صدقاتش، كانو هوما اللي كيتحملو النتيجة. المهم ما حد المسألة فنطاق الدين، ما كاين ما يتكال. ولكن، ومنذ أن تم اكتشاف “الميتيو” ولى رئيس الدولة هو بوحدو اللي كيطلب من الشعب باش يقيم صلاة الاستسقاء – وفالوقت المناسب من طبيعة الحال. الهدف، حسب الطوزي، هو التركيز على “الهيبة شبه السحرية التي يتمتع بها أمير المؤمنين”. بلغة أخرى، الميصاج هو أن أمير المؤمنين لديه القدرة لكي يتدخل بشكل ناجع لدى الله عز وجل، لكي يغسل ذنوب المسلمين ويسقي أراضيهم. وديما كتصدق! إيوا هاد الشي دابا دين ولا سياسية؟ عبادة ولا برويكاندا؟ نتوما تشوفو”!!!

أما التعليق الذي أرغب في تقديمه على “المقالة النيشانية” التي هي امتداد وترجمة مكملة لمقالي المشار إليه قبله، والذي يقع في سبع حلقات، فيمكن تلخيصه في الآتي:

1- التضرع إلى الله طلبا للغيث بعد الجفاف أو القحط. حتى وهو مؤقت. حتى وخوف حلوله يخامر النفوس، تضرع تاريخ بدايته غير محدد. مما يعني أن البشرية منذ عهود سحيقة كانت تتوسل إلى معبودها – أيا كان هذا المعبود – كي يغيثها بالرحمة المطلوبة بعد انتظار مصحوب بالحيرة والقلق.

2- في الإسلام بالتحديد، توجد صور، أو كيفيات عدة للاستسقاء. فالنبي ص كان يستسقي عقب أية صلاة من الصلوات الخمس، أو أثناء خطبة الجمعة. أو أثناء غزوة من الغزوات. أو سفر من الأسفار. أو أثناء مجلس من مجالسه التذكيرية والوعظية.

3- تأكد لدينا أن أئمة المساجد كانوا يستسقون في أحوال عدة. فضلا عن قيامهم – دون ما توجيه من السلطات العليا- بأداء صلاة الاستسقاء المعروفة للجميع. تأكد لنا ذلك على عهد الاستعمار وعلى عهد العقود الثلاثة للحصول على الاستقلال!

4- كما تأكد لنا أن أئمة المساجد في جهات مختلفة من المغرب حتى الآن، لا يكفون عن الاستسقاء في مناسبات عدة، دون انتظار إذن رسمي من الأعلى للقيام بصلاة الاستسقاء المعروفة. فقد استسقيت شخصيا لمرات عدة في خطبة الجمعة. فقط لأن الناس في ضائقة. ولأن أملهم في رحمة الله أمل متواصل لا ينقطع.

5- ملايين الفلاحين يستسقون فرادى وجماعات، فلا نسمع منهم  – وهم يخشون من الجفاف – غير “الله يرحمنا الله يرحمنا”! فضلا عن كوننا كفلاحين نتوسل إلى ربنا آملين أن يرسل السماء مدرارا علينا في كل وقت وحين. نتوسل إليه ونحن نصلي. ونحن نشتغل. ونحن نمشي. ونحن مسافرون…

6- ملايير المخلوقات تحتاج إلى رحمة الله سبحانه. والله تعالى “كتب على نفسه الرحمة”! إنه الرحمان الرحيم الذي لا تساوي الدنيا عنده جناح بعوضة، كما ورد في حديث من أحاديث المختار ص.

7- فإن كان ملايين الفلاحين، يدعون، ويتضرعون، ويتوسلون ويرجون من ربهم مدهم بالرحمات، فهل يصح إلقاء جميع توسلاتهم وتضرعاتهم في سلة المهملات، كي يقال بأن الله استجاب لدعوات إمام، أم لدعوات المؤدين لصلاة الاستسقاء، في حين أن دعوات ملايين الفلاحين أولئك غير مستجابة؟

8- لم لا نقول بأن الله سبحانه قد استجاب لدعوات الملايين من الفلاحين ومن غير الفلاحين من جهة. وأنه أرسل رحماته إلى كافة مخلوقاته في الوقت الذي رأى أن يرسلها فيه من جهة ثانية؟

9- تحدث الشافعي في كتاب “الأم” عن صلاة الشكر. فلو عزم الناس على أداء صلاة الاستسقاء في الغد  – كمجرد مثال–  ثم كان أن جاءت الأمطار في اليوم قبل الغد، للزم أن تتحول صلاة الاستسقاء إلى صلاة الشكر.

وعليه نكون قد تمكنا من تجاوز الفكر الظلامي السياسي متى انتهى إلى علمنا عن طريق التنبؤات الجوية أن الغيث المطلوب من طرف الملايين قادم بعد أسبوع، أو بعد ثلاثة أيام. إذ علينا أن ندعو الأمة لأداء صلاة الشكر، بدل دعوتهم إلى أداء صلاة الاستسقاء. والحال أننا على علم بأن أمطار الخير في الطريق إلينا. إذ أننا لو فعلنا ذلك، لاحتفظنا بالصورة الواقعية المتمثلة في كون الملايين الذين يستسقون ليل نهار. هم الذين استجاب لهم ربهم بعد حين من الرجاء والأمل والانتظار. أما أن يستجيب لهم الحق سبحانه. ثم نسطو نحن على الاستجابة كي ننسبها إلى أنفسنا، فذلك هو “الفكر الظلامي الديني والسياسي والسلطوي” في الآن ذاته!

10- إن التنبؤات الجوية في حد ذاتها، لا تشير بأي وجه من الوجوه إلى أن الطبيعة بكل قوانينها في يد الإنسان! فالإمكان أن يقع خطأ ما في التنبؤ! كأن يتغير الضغط الجوي. أو اتجاه الرياح، أو سرعتها. أو الحمولة السحابية الممطرة! بحيث يتم إفراغ تلك الحمولة في البحر، والحال أن المتنبئين كانوا يتوقعون إفراغها في البر! إذ لو انتبه الناس إلى كثير من التنبؤات تلك، للاحظ كيف أنها قد تخلفت لمرات عدة. مما يعني أن الطبيعة بكل ما لها، وبكل ما عليها في يد الخالق عز وجل، لا في يد الإنسان بكل ما حققه من نجاحات حتى الآن في مختلف مجالات العلم والمعرفة.

 

 

[1] – سورة التوبة: 34.


شاهد أيضا